العودة إلى كل التحليلات تحليلات الختالي · دولي

صندوق الثروة السيادي النرويجي: نموذج للانضباط والشفافية

بقلم عمرو الختالي

تأسس صندوق الثروة السيادي النرويجي، المعروف باسم "صندوق التقاعد الحكومي العالمي" (GPF-Global)، في عام 1990 ليكون بمثابة وسادة مالية للأجيال القادمة وصندوقاً لتقاعد السكان. والجدير بالذكر أن الصندوق يتلقى تمويله من العائدات النفطية للبلاد بدلاً من مساهمات التقاعد. ولم يتلقَ الصندوق أي مساهمات مالية من الحكومة حتى عام 1996، وهي النقطة التي بدأ منها رحلته الاستثمارية المذهلة في العالم المالي الدولي. واليوم، يمتلك الصندوق أصولاً تحت الإدارة تتجاوز قيمتها تريليون دولار، ويتحكم في أكثر من 1.3% من الأسهم المدرجة في العالم. وبحلول عام 2030، تظهر التوقعات أن قيمة الصندوق ستصل إلى 3.3 تريليون دولار.

وفي الوقت الحالي، يقف الناتج المحلي الإجمالي للنرويج عند 370 مليار دولار، مع ناتج محلي إجمالي للفرد يبلغ 71,000 دولار — لتحتل بذلك المرتبة الثالثة في العالم بعد لوكسمبورغ بـ 105,000 دولار وسويسرا بـ 79,000 دولار. وفي عام 2017، استقر معدل البطالة فيها عند 4.7%. فكيف تمكنت دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 5.3 مليون نسمة من بناء اقتصاد قوي ومستقر بمثل هذه المدخرات الهائلة، في حين فشلت العديد من الدول الكبرى الأخرى المنتجة للنفط؟ تكمن الإجابة في الانضباط المالي الصارم.

وفي حين أن هذا المقال لن يغطي كامل النجاح الاقتصادي للنرويج، إلا أنه سيبحث الخصائص الرئيسية للصندوق — مثل شفافيته التي لا تضاهى وممارساته الاستثمارية الأخلاقية — وهي السمات التي جعلت منه نموذجاً عالمياً يُحتذى به ويُحترم في عالم صناديق الثروة السيادية.

الحوكمة والهيكل

تعتبر وزارة المالية النرويجية هي المالك النهائي لصندوق التقاعد الحكومي العالمي (GPF-Global). ويتولى بنك النرويج (البنك المركزي النرويجي) إدارة الصندوق بموجب اتفاقية إدارة رسمية، ويعمل بالتشاور والموافقة مع البرلمان النرويجي (الستورتينغ).

وتحدد وزارة المالية المؤشر الاسترشادي للمحفظة الاستراتيجية ليتَّبِعَه بنك النرويج؛ إذ تضع الاستراتيجية الاستثمارية الشاملة، وأهداف توزيع الأصول (بما في ذلك المواقع الجغرافية)، والمبادئ التوجيهية الصريحة لسحب الاستثمارات. والأهم من ذلك، أن الوزارة تملي هذه المعايير بشكل مستقل، لتظل حرة تماماً من أي نفوذ تشغيلي لبنك النرويج باعتباره مديراً لأصول الصندوق.

أهداف ثنائية: الربحية والمسؤولية الاجتماعية

ركز الصندوق منذ إنشائه على هدفين رئيسيين: الربحية والاستثمارات المسؤولية اجتماعياً. وفي عام 2008، أعلن وزير المالية النرويجي أن القرارات الاستثمارية للصندوق لا تتأثر بالسياسة، مؤكداً أن الصندوق يعمل بدقة كمستثمر مالي وليس كمستثمر استراتيجي.

ويطبق صندوق التقاعد الحكومي العالمي (GPF-Global) مبادئ توجيهية أخلاقية صارمة على جميع قراراته الاستثمارية وقرارات سحب الاستثمارات. وفي واقع الأمر، فهو أحد صناديق الثروة السيادية القليلة جداً في العالم التي تتبنى مثل هذه التدابير الصارمة. علاوة على ذلك، يُدار الصندوق بدرجة استثنائية من الشفافية والإفصاح عن المعلومات. ومنذ وقت مبكر، كان الصندوق مشاركاً نشطاً في مجموعة العمل الدولية التي رعاها صندوق النقد الدولي، ومؤيداً قوياً لـ "مبادئ سانتياغو" التي تعزز الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة عبر هذا القطاع.

مجلس الأخلاقيات

في عام 2004، وبموجب مرسوم ملكي، أنشأ بنك النرويج — المدير التشغيلي للصندوق — مجلس الأخلاقيات لضمان امتثال الصندوق لمبادئه التوجيهية الأخلاقية الصارمة. ويتألف المجلس من خبراء ومهنيين رفيعي التعليم متخصصين في مجالات مثل القانون والاقتصاد وحقوق الإنسان والعلوم البيئية. وتتولى هذه الهيئة المستقلة مراجعة الاستثمارات باستمرار وإصدار تقارير توصيات رسمية إلى وزارة المالية لاتخاذ إجراءات تنفيذيّة بشأنها.

ومنذ تشكيله، وكجزء من المبادئ التوجيهية الأخلاقية الصارمة للصندوق، أوصى المجلس بإدراج أكثر من 50 شركة في القائمة السوداء واستبعادها من محفظته الاستثمارية. وقد استبعد شركات من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وكندا وروسيا بسبب تورطها في إنتاج الأسلحة. وقد جعل الصندوق موقفه واضحاً وصريحاً: فهو لن يستثمر في أي شركات تنتج الأسلحة وتبيعها في مناطق النزاع النشطة، ولن يدعم الشركات المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد أو عمالة الأطفال أو الأضرار البيئية الجسيمة. كما أُضيفت شركات التبغ أيضاً إلى قائمة الاستبعاد بموجب هذا الحظر.

نموذج عالمي للشفافية

فيما يتعلق بالشفافية، يحظى الصندوق بتقدير كبير بين نظرائه. ففي عام 2007، دعا صندوق التقاعد الحكومي العالمي الشركات إلى أن تكون أكثر شفافية فيما يتعلق بالمدفوعات الضريبية في جهد يرمي لمكافحة الملاذات الضريبية. وجدير بالذكر هنا أن الصندوق يمتلك حصصاً في أكثر من 9,000 شركة على مستوى العالم.

وتطالب وزارة المالية والبرلمان النرويجي (الستورتينغ) الصندوق بإصدار تقارير ربع سنوية وسنوية إلى وزير المالية تغطي مراجعات السوق وتقييمات الأصول. كما يقدم الصندوق تقارير شاملة عن الاستثمارات والحوكمة المسؤولة اجتماعياً، بما في ذلك مبادرات حماية البيئة. وينشر بنك النرويج هذه التقارير بانتظام على موقعه الإلكتروني ليطلع عليها الجمهور.

وكجزء من التزامه المستمر بالشفافية، ينشر الصندوق أيضاً تقارير ربع سنوية تلخص أنشطة بنك النرويج فيما يتعلق بجميع الاتصالات مع الشركات الموجودة في محفظته الاستثمارية. وتتضمن هذه الوثائق سجل تصويته في الاجتماعات العامة واجتماعات مجالس الإدارة، لا سيما في القضايا المتعلقة بالبيئة وحقوق الإنسان وحقوق العمال.

وفي نهاية المطاف، يقدم المخطط التشغيلي لصندوق التقاعد الحكومي العالمي دروساً لا تقدر بثمن للنظام المالي الدولي الأوسع. ويمكن لصناديق الثروة السيادية المنشأة حديثاً، وكذلك تلك التي تعمل في مناطق ذات مؤسسات ديمقراطية ضعيفة، أن تنظر إلى النرويج كنموذج يحتذى به. ومن خلال تبني أطر مماثلة من الاستقلال المؤسسي، والإشراف الأخلاقي الصارم، والشفافية المطلقة، يمكن لهذه الصناديق أن تنتقل بنجاح من مجرد مجمعات لرؤوس الأموال إلى أدوات مرنة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام طويل الأجل وحوكمة داخلية قوية.

شارك هذا التحليل