هل تستطيع أفريقيا أن تحل محل روسيا كمورّد رئيسي للطاقة لأوروبا؟ مفارقة وفرة الموارد وعدم الاستقرار
أزمة الطاقة في أوروبا والبحث عن بدائل
حتى وقت قريب، كانت روسيا تزود أوروبا بمتوسط يزيد عن 150 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، وهو حجم لا يمكن التعويض عنه من خلال وسائل بديلة بسهولة. ولكن غزو روسيا لأوكرانيا أجبر قادة العالم على البحث عن مصادر بديلة للطاقة، الأمر الذي أدى إلى التزاحم من أجل تأمين الإمدادات على المديين القصير والطويل.
في 22 شباط / فبراير 2022، أعلن المستشار الألماني "أولاف شولتز" قرار حكومته وقف التصديق على مشروع "نورد ستريم 2" (Nord Stream 2) الذي تمتلكه روسيا والذي تبلغ قيمته 11 مليار دولار أمريكي. وكان هذا المشروع قد أنشئ بغية مد خط أنابيب الغاز الروسي الرئيسي إلى أوروبا، وعلى الأخص لتزويد ألمانيا التي تستهلك 102 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا والتي تُعَدُّ أكبر مُشترٍ للغاز الطبيعي في أوروبا.
وفي 8 آذار / مارس 2022، صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، "أورسولا فون دير لاين" قائلة: "يجب أن نستقل عن النفط والفحم والغاز الروسي. فببساطة، لا يمكننا الاعتماد على مورّد يهددنا بشكل صريح."
وعقب اندلاع الحرب، قامت دول كبرى، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بتمشيط سلسلة إمداد الطاقة العالمية بحثًا عن مورّدين بدلاء لأوروبا. ولكن لسوء الحظ، لم تحقق هذه الجهود في البداية سوى نجاح محدود بسبب جمود الطاقات الإنتاجية وارتفاع تكاليف الشحن والتزامات الموردين التعاقدية طويلة الأجل. ووفقًا لشركة "رايستاد إينيرجي" Rystad Energy، ففي بداية الحرب الروسية الأوكرانية كان لدى الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 102 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المُسال في عقود مرنة كان بإمكان أوروبا استخدامها، لكن الاختناقات اللوجستية ومشكلات الأسعار حالت في البداية دون تحقق ذلك بالكامل.
القارة الأفريقية كحلّ محتمل
هل تستطيع أفريقيا أن تلبّي احتياجات أوروبا من إمدادات الطاقة؟ تمتلك أفريقيا ما يقارب 7% من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. غير أن الاستفادة من احتياطيات أفريقيا تترافق مع الكثير من العقبات التي يجب التغلب عليها.
وفي الوقت الحاضر، يمكن تحديد سبع دول أفريقية كموردين محتملين للغاز الطبيعي إلى أوروبا على المديين القصير والطويل: الجزائر ونيجيريا وليبيا ومصر والسنغال وأنغولا وموزمبيق.
العقبات الجيوسياسية وواقع البنية التحتية
على مدى عقود من الزمن، كانت السياسات الفوضوية وعدم الاستقرار في أفريقيا تمنع هذه القارة من احتلال مكانها كمورد عالمي بارز للطاقة. وهي حالة مستمرة دون حل على المدى المنظور. كما أن ضعف الأوضاع الأمنية ونقص البنية التحتية والحرب الأهلية المستمرة في ليبيا تمثل مشكلات عندما تفكر أوروبا بأفريقيا كمورد رئيسي يتوفر فيه أي شكل من أشكال الأمن.
وفي عام 2020، ذكرت التقارير أن إيطاليا تستورد حوالي 62 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، مما يضعها في المرتبة الثانية كأكبر مستورد للغاز الطبيعي في أوروبا بعد ألمانيا. ووفقًا لمجموعة "ستاتستا" Statista، وهي مجموعة متخصصة في بيانات الأسواق، كانت أرقام التوريد الخاصة بموردي الغاز في إيطاليا في عام 2020 على النحو التالي:
- روسيا: 28.5 مليار متر مكعب
- الجزائر: 15.1 مليار متر مكعب
- قطر: 6.9 مليار متر مكعب
- النرويج: 6.9 مليار متر مكعب
- ليبيا: 4.5 مليار متر مكعب
وقد أمضت شركة "إيني" Eni، الرائدة في توريد الغاز في إيطاليا، أشهرًا عدة بعد اندلاع الحرب عام 2022 في محاولة لتأمين عقود تحل محل روسيا بوصفها موردًا رئيسيًا لها بمقدار 28.5 مليار متر مكعب. ففي نيسان / أبريل 2022، وقعت إيطاليا عقدًا مع الجزائر بمقدار 9 مليار متر مكعب إضافية، وتلاه عقد مع جمهورية الكونغو بمقدار 4.5 مليار متر مكعب سنويًا.
معضلة الإمدادات من شمال أفريقيا
وبالنسبة إلى شركة "إيني" Eni، تُعَدُّ أفريقيا ذات أهمية كبيرة، ولا سيما ليبيا والجزائر ومصر. غير أن عدم الاستقرار في ليبيا والصراعات القبلية المستمرة فيها وانقساماتها السياسية كذلك، فضلاً عن بنيتها التحتية القديمة في مجالَيْ النفط والغاز والتي تتطلب إصلاحات بمليارات الدولارات، أجبرت شركة "إيني" Eni على إيجاد مصادر أكثر موثوقية في سعيها لأن تكون مركز توزيع الغاز في أوروبا.
تعمل شركة "إيني" Eni والحكومة الإيطالية معًا في محاولة لتأمين الغاز الذي تحتاجه أوروبا. وفي الوقت الحاضر، يبدو أن الجزائر هي الخيار الأول. فلدى الجزائر خط أنابيب غاز يمتد من تونس إلى إيطاليا مباشرةً، وهو خط أنابيب "ترانس ميد" TransMed، مما يجعلها أكبر مُصدّر للغاز في أفريقيا بمقدار 55.2 مليار متر مكعب. يتمتع خط أنابيب "ترانس ميد" TransMed بالقدرة على توريد 32 مليار متر مكعب سنويًا. أما الـ 9 مليار متر مكعب الإضافية من العقد الموقع في نيسان / أبريل فتضع الجزائر في طاقتها التصديرية الكاملة، مما يخلق فرصًا للمورّدين الإقليميين الآخرين، مثل مصر، لتعويض النقص.
ووفقًا لـ "ستاتستا" Statista، تقوم ثلاثة خطوط أنابيب أفريقية كبرى بنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا حاليًا، وهو ما يمثل حوالي 21% من الغاز المُصدّر إلى أوروبا. فخط أنابيب "ترانس ميد" TransMed المذكور أعلاه ينقل الغاز من الجزائر إلى إيطاليا (عبر تونس)، وخط أنابيب "ميد غاز" Medgaz يربط بين الجزائر وإسبانيا تحت البحر، أما خط أنابيب "غرين ستريم" Greenstream فيربط بين ليبيا وصقلية.
إمكانات أفريقيا جنوب الصحراء: خط الأنابيب العابر للصحراء
كما يمكن للنيجر ونيجيريا أن تلعبا دورًا مؤثرًا على إمدادات الطاقة التي تحتاجها أوروبا، ولكن ذلك لن يحدث من دون التغلب على عدد كبير من العقبات. فنيجيريا لديها أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في أفريقيا، وهو 206 تريليون قدم مكعب.
وكان مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء "نيغال" NIGAL قد صُمّم في الأصل لنقل هذا الغاز مباشرةً إلى الأسواق الأوروبية. ويمتد خط الأنابيب لمسافة 4,100 كيلومتر من نيجيريا عبر النيجر وصولاً إلى الجزائر، بتكلفة متوقعة تبلغ 21 مليار دولار أمريكي، وبطاقة تصميمية تبلغ 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا.
ومع ذلك، واجه هذا المشروع مشاكل بسبب المشكلات السياسية بين الجزائر والنيجر مما أدى إلى إغلاق المشروع حتى عام 2021 عندما توصل البلدان إلى اتفاق سياسي واستأنفا العمليات الحدودية. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال هناك مشكلات أمنية أخرى دون حل.
التهديدات الأمنية وتقلّب الإمدادات: دلتا النيجر وليبيا
وحتى وقت قريب، حذّرت ميليشيا حركة تحرير دلتا النيجر من أن مستقبل خط أنابيب "نيغال" NIGAL سيبقى موضع تساؤل إلى أن تتم تلبية مطالب رفاهية سكان المنطقة المحيطة.
تحتل ليبيا المرتبة 21 على مستوى العالم والسابعة في أفريقيا في ما يتعلق باحتياطياتها من غاز العالم. فلدى ليبيا 53 تريليون قدم مكعب من احتياطيات الغاز المؤكدة، وهو ما يمثل أقل من 1% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم. ووفقًا للبيانات الرسمية الليبية في عام 2015، فقد أنتجت ليبيا 591 مليون قدم مكعب في السنة واستهلكت 158 مليون قدم مكعب. ونتيجة لذلك، كان لدى ليبيا فائض قدره 433 مليون قدم مكعب، ولكن لم يتم تصدير سوى 250 مليون قدم مكعب فقط. ولو كان المناخ السياسي يسمح، لكان هناك أكثر من 180 مليون قدم مكعب من احتياطيات الغاز متاحًا للتصدير.
وبين عامَي 2017 و2020، شهدت قدرات الإنتاج والتصدير الليبية تقلبات حادة، إذ تعافت الصادرات لتصل إلى 7.11 مليار متر مكعب في عام 2019. غير أن الصادرات تراجعت مرة أخرى في عام 2020 لتصل إلى 4.84 مليار متر مكعب. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصادرات الليبية بلغت ذروتها في عام 2010 عندما وصلت إلى نحو 10 مليارات متر مكعب.
تطوّر قدرات الإسالة في أفريقيا
وفي ما يتعلق بالإسالة، وهي عملية تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز طبيعي مُسال، تأتي الجزائر في الصدارة، إذ لديها أول محطة في أفريقيا. فمحطة تسييل الغاز الطبيعي في الجزائر، Arzew GL1Z، بدأت العمل في عام 1964. علمًا بأن شركة "سوناتراك" Sonatrach الجزائرية تملك هذه المحطة وتديرها. تعمل Arzew بطاقة 8 ملايين طن سنويًا، جميعها خاضعة لعقود طويلة الأجل، مع عدم وجود خطط توسيع أو تحديث في المستقبل القريب.
تم افتتاح مصنع مرسى البريقة (Marsa El Brega) الليبي في عام 1970، وكان ثاني منشأة تسييل يجري تشغيلها في أفريقيا. ولكن لسوء الحظ، لم يقم مصنع مرسى البريقة بتصدير الغاز منذ عام 2005 بسبب ما يحتاجه من صيانة وإصلاحات. كما أن جميع الجهود الرامية إلى إعادة شركة "شل" Shell لاستكمال الأعمال اللازمة لاستئناف الإنتاج فشلت بسبب الحرب الأهلية.
الميزة الاستراتيجية الحديثة لمصر
ولكن في الآونة الأخيرة، برزت مصر لتمتلك قدرات تسييل الغاز الأحدث والأكبر والأكثر تطورًا في أفريقيا.
بالمقارنة مع جيرانها، تُعَدُّ مصر حديثة العهد في صناعة الغاز الطبيعي. ومع ذلك، فإن دخولها المتأخر في هذه الصناعة منحها ميزة القدرة على تطوير خطط تتماشى مع الاحتياجات المستقبلية للمنطقة. لدى مصر محطتان رئيسيتان للتسييل، وهما مصنع "إدكو" Idku ومصنع "دمياط" Damietta. تم افتتاح مصنع "إدكو" Idku في عام 2001 من خلال استثمار ملياري دولار أمريكي بالشراكة مع شركة "شل" Shell وشركة "بتروناس" Petronas وشركة "إديسون" Edison وشركة "إنجي" Engie، وهو تحت إدارة الحكومة المصرية. ويتمتع المصنع بالقدرة على تصدير ما يصل إلى 10 مليار متر مكعب من الغاز إلى الأسواق العالمية سنويًا. أما مصنع "دمياط" Damietta فقد بدأ العمل في عام 2004 من خلال استثمار 1.3 مليار دولار أمريكي بالشراكة مع مورّد الطاقة الإيطالي شركة "إيني" Eni ومورّد الطاقة الإسباني شركة "ناتورجي" Naturgy (يونيون فينوسا سابقًا)، وهو يهدف إلى تزويد إسبانيا والأسواق الأوروبية الأخرى بإمدادات الغاز اللازمة. تبلغ الطاقة التصديرية للمصنع 7.56 مليار متر مكعب سنويًا. وإجمالاً، فإن هذين المصنعين يمنحان مصر القدرة على تصدير ما يقارب 20 مليار متر مكعب إلى أوروبا والأسواق الأخرى سنويًا.
وفقًا لوكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، فإن اكتشافات الغاز الطبيعي في دلتا النيل والبحر الأبيض المتوسط والصحراء الغربية بمصر توفر لهذا البلد 2.19 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة، وهو ما يجعلها ثالث أكبر مالك لاحتياطيات الغاز الطبيعي في أفريقيا بعد نيجيريا والجزائر.
مصر كمركز إقليمي واستراتيجية التجميع
الاستقرار السياسي في مصر يجعلها المرشح الأول لتصبح مركزًا إقليميًا للغاز من خلال السماح للمنتجين، مثل إسرائيل وقبرص، باستخدام منشآتها الخاصة بالغاز الطبيعي المُسال لتصدير الغاز إلى الأسواق الأوروبية. كانت استراتيجية التجميع هذه قيد المناقشة منذ عام 2018. وهذه الاستراتيجية يمكن أن تزود أوروبا بالتنويع السوقي الذي تحتاجه، وتساعد كلاً من مصر وإسرائيل وقبرص على تعزيز قدراتها التصديرية من خلال قدرة هذه البلدان على الجمع بين منشآتها وبنيتها التحتية وخبراتها.
مفارقة الثروة الأفريقية من الموارد
تستمر مشكلات الأمن الداخلي والاستقرار في أفريقيا في التأثير على النمو الاقتصادي والتقدم فيها في القرن الحادي والعشرين. فعلى مدى الخمسين عامًا الماضية، وعلى الرغم من وفرة احتياطيات النفط والغاز، فشلت هذه القارة في الوصول إلى مستوى من الاستقرار الذي يمكّنها من المنافسة في سوق إمدادات الطاقة العالمية.
في عام 2021، تأكد أن أفريقيا لديها أكثر من 125.3 مليار برميل من احتياطيات النفط الخام وما يقارب 148.60 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز المؤكدة، وهو ما يمثل أكثر من 7% من الاحتياطيات العالمية. مع وجود هذا الكم الهائل من الثروات، قد يعتقد المرء أن القارة يجب أن تكون فردوسًا في طور التكوين، ولكنها ليست كذلك للأسف.
إذن، هل يستطيع زعماء أفريقيا أن يضعوا خلافاتهم العديدة جانبًا وينتهزوا هذه الفرصة الذهبية للعمل مع أوروبا وتزويدها بالغاز الذي هي في حاجة شديدة إليه. وفي مقابل ذلك، يمكّنون أوروبا من تزويد البلدان الأفريقية بالإيرادات اللازمة لتمويل مشاريع البنية التحتية التي هي في أمَسّ الحاجة إليها من أجل دعم النمو في هذه القارة؟
هل تستطيع أوروبا الاعتماد على أفريقيا؟
السؤال الرئيسي هنا هو: هل تستطيع أوروبا أن تعتمد على أفريقيا كشريك قوي لتزويدها بالغاز؟ من الناحية الهيكلية، تميل الإجابة إلى النفي. فاقتصاد الاتحاد الأوروبي البالغ 17.90 تريليون دولار أمريكي لا يمكنه الاعتماد على بلدان مثل ليبيا والنيجر وموزمبيق والكونغو والجزائر لتحل محل روسيا.
إن صراع الجزائر المتواصل مع مطالب شعبها بالتغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي يشكل خطرًا كبيرًا على استقرارها المستقبلي، وهو ما سيؤثر على قطاع النفط والغاز في البلاد بشكل كبير، ذلك ما لم تتعامل الحكومة مع هذا الأمر بجرأة.
أما في ما يتعلق بليبيا، فقد خفّض المجتمع الدولي إلى حد كبير توقعاته بشأن عودتها كشريك عالمي مستقر على المدى القصير. فانحدارها المستمر إلى الفوضى والحرب الأهلية، والذي تغذيه القيادة المنقسمة والميليشيات المحلية والقوى الإقليمية المتنافسة، يدفع كثيرًا من المحللين إلى اعتبارها دولة فاشلة. وقد تردد صدى ذلك في إستراتيجيات توسيع أعمال شركة "أيني" ENI الإيطالية على مدى السنوات القليلة الماضية، فنجد انتقالاً كبيرًا بعيدًا عن ليبيا كمُوَرّد، وتحركًا نحو مصر والجزائر.
الخاتمة: المشهد الأوروبي على المدى القريب
وفي الوقت الراهن، تتأثر أوروبا، وألمانيا على وجه الخصوص، تأثرًا كبيرًا بالحرب الروسية الأوكرانية. ومع اقتراب فصل الشتاء خلال أي أزمة طاقة طويلة الأمد، تزداد صعوبات إمدادات التدفئة والصناعة حدة. ومع ذلك، وبينما تتمتع أفريقيا بالقدرة على الحلول محل روسيا كمُوَرّد بارز للطاقة إلى أوروبا، فإن عددًا كبيرًا من العقبات، مثل الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية وانعدام الأمن، تقف في طريقها بقوة، مما يمنع ذلك من أن يصبح حقيقة واقعة.